لعل من عيوبنا الاجتماعية التي لم نستطع الفكاك من ربقتها «النفاق الاجتماعي» الذي بات ظاهرة محلية تحتاج من علماء الاجتماع إلى التفاتة لدراستها ووضع الحلول المناسبة لعلاجها؛ فما أن يعين مسؤول ما يملك صلاحية التوقيع على «الشيكات المفتوحة» حتى تنهمر عليه من كل حدب وصوب (شلالات) التهاني والتبريكات وتمتلئ الصفحات الملونة في شتى مطبوعاتنا بعبارات الإشادة بكفاءة ذلك المسؤول وقدراته الخارقة؛ وبعد أن كان بالأمس مجرد موظف عادي لا يملك أي ميزة تميزه عن غيره من عباد الله.
ويبدو أن لهذا «النفاق الاجتماعي» غير المبرأ دوراً في إيهام ذلك المسؤول بأنه من فصيلة أخرى من البشر.. وأن تعيينه جاء هبة ربانية لإنقاذ الناس «الغلابة»، ولذا يأخذه الغرور والزهو والإعجاب بالنفس (والنفس أمارة بالسوء) فيغلق الباب المفتوح ويتحول من دكتور «جيكل» إلى مستر «هايد» كما في الرواية الذائعة الصيت..
نعود إلى موضوعنا الرئيسي.. وبما أن هذه الإعلانات التي تمتلئ بها الصحف والمطبوعات المختلفة (ولولا الخجل لأبرزوها في القنوات الفضائية بصوت نانسي عجرم أو نوال الزغبي) تكلف آلاف الريالات وبعضها مجموع تكاليفها من الموظفين وبعضهم من موظفين على «بند الأجور» فإنني أقترح كموظف دفع ذات يوم ثمن مثل هذه الإعلانات.. على كل الذين يتسابقون لاهتبال الفرص والمسارعة في الترحيب بزيارة مسؤول ما.. أن يحتسبوا لليوم الآخر.. فيتبرعوا بهذه المبالغ -مستقبلاً- إلى الجمعيات الخيرية أو لصندوق الفقر، ليخففوا معاناة المعوزين، ويداووا جراح الثكالى، ويدخلوا السعادة لأسر المعدمين وهم والله كثر في بلادنا، وسيجزيهم الله خيراً بدلاً من أن يعاقبهم على سوء نواياهم ومقاصدهم.
خذوا أمثلة: ذلك الإعلان الذي احتل صفحة كاملة بالألوان يرحب ويهنئ ويعدد مزايا وقدرات المسؤول الجديد لإحدى الإدارات، ويبارك مساعيه في إيصال خدمات إدارته إلى القرى والهجر، والمبتهج بهذا التعيين: مؤسسة «فلان» للخدمات والمشاريع.
ولأن الكثيرين يتحدثون -هذه الأيام- عن خصوصيتنا كمجتمع.. فإنني أرى أن مثل هذه الأعمال تدخل ضمن خصوصياتنا.. بدليل أنني لا أعرف شعباً متحضراً متحفزاً للنمو والارتقاء يقدم على ممارسة مثل هذه الأعمال.
نحن بحاجة إلى إعادة تربية تقوم على الصدق والوضوح والشفافية.. فتربيتنا الحالية هي سبب رئيسي في هذه الحالة وحالات أخرى غيرها. فأطفالنا يرون آباءهم يكذبون.. والبنات يرين أمهاتهن يذرفن دموع التماسيح كذباً وزوراً.. وفي جو المدرسة المشحون بالخوف والضرب يلجأ أبناؤنا إلى الكذب حتى ينجوا من العقاب.. وفي مثل هكذا حالات.. تبدو إعلاناتنا تلك نتاجاً طبيعياً لتربيتنا الأولية.. وإلى الله المشتكى..!!